الإمام علي ( عليه السلام)
في فكر الأديب (جورج جرداق)
كتب المفكر والأديب المسيحي الشهير جورج جرداق عن شخصية الإمام على بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو معروف ذات شخصية محبة للحق والخير تخلـى عن رداء عظمته أمام جبل القيم ونبراس الحضارة ليطأطأ رأسه وينحني إجلالا وإكبارا لشخصـية الإمام علي (ع) ذلك الحب الذي دفعه لمثل هذا الإنجاز الكبير حيث تعرف مبدئيا على هذه الشخصية منذ طفولته حينما أهدى له شقيقه الأكبر كتاب ((نهج البلاغة)) وحثه على قراءته بكل جدية.
وقد رسخت في مخيلته تلك الشخصية العظيمة منذ صغره من خلال هذا الكتاب، ورافقته هذه المخيلة حتى دخوله وتخرجه من الكلية البطريركية في بيروت مما حدا به الرجوع إلى قراءة نهج البلاغة من جديد والاعتماد عليه في بحوثه ودراسته حيث كان يدرس الأدب العربي والفلسفة العربية في بعض معاهد بيروت، وقد كان نتاج الإمام علي (ع) الأدبي والفكري مطلوب في المادتين ـ الأدب العربي و الفلسفة العربية ـ كبرنامج مقرر ومقدّم هناك. وعلق على أهمية هذا الكتاب وموقعيته في الفكر الإنساني واعتبره في (القمة) وان جميع القيم والمبادئ السامية التي سعى المفكرون وعلماء الاجتماع إلى إدراكها وإشعاع مفهومها لدى الآدميين عبر عشرات القرون تراها كلها في نهج البلاغة. فقد عمد إلى الارتواء من هذا المنهل العظيم الذي تفيض منه إنسانية الإمام بكل عناصرها ودعائمها فهي عطاء وفير من فكر صاف وشعور عميق بمعنى الوجود الحقيقي ومنطلقا لبث الفضيلة بين الناس والدعوة إلى الأيمان والوحدانية.
وهنا وجد جرادق عمق التقاء القواسم المشتركة بين الإسلام والمسيحية، واستكمالا منه في البحث في أعماق المعارف والخوض في منهجية متعلقة بمبادئه وسيرته والإحاطة بها وبكل أنصاف، واستدراكا لما أهمله المؤلفون بحق هذه الشخصية العظيمة، فقد ألف عدة مجلدات منها المجلد الأول بعنوان (علي وحقوق الإنسان) اثبت فيه بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة أن الإمام علي (ع) قد سبق مفكري العالم وأوربا في هذا المجال، والمجلد الثاني بعنوان (بين علي والثورة الفرنسية) أكد فيه سبق الإمام عليه السلام فلاسفة الثورة الكبرى العظام مبينا إن التقاء الإمام (ع) مع فلاسفة الإنسانيين الكبار في خط ومنهج مقارب بالرغم من سبق الإمام (ع) لهم مؤكدا على ذلك في مجلده الثالث بعنوان (علي وسقراط) إلى آخر سلسلته المؤلفة من ستة مجلدات وآخرها يحمل عنوان (روائع النهج).كما ونرى إن استلهام الحقيقة من دوافع الحب والرغبة العميقة التي تأثرت بها نفس هذا المفكر الأديب ما هي إلا نزعة مشوقة في التعرف على شخصية الإمام الجليلة وعبقريته النادرة رغم اختلاف العقيدة والثقافة والفكر الذي يحمله إلا إن انجذابه لها تحقق بجزء بسيط في إيصال الفكرة التي كانت لدى الكثير من الناس عن الإمام
علي (ع) انه قديس مسيحي مشابها للقول والمنهج الذي سار عليه نبي الله عيسى (ع) وهذا ما نجده في تاريخ الأوربي في العصور الوسطى وما كتبوه في الآداب عن الأفكار والمعتقدات في العالم المسيحي أمثال المؤرخ والباحث الفرنسي البارون كاراديفو.
وأما الأدباء والمفكرون المسيحيون العرب فكان لهم النصيب الأوفر في كتابة وفهم هذه الشخصية العظيمة وإبعادها في سيرته ونهجه وما قدمه للإنسانية جمعاء، ومنهم جرجي زيدان وميخائيل نعيمة وعبد المسيح محفوظ وغيرهم في آثارهم النثرية والشعرية.أذن، هكذا عرفوا الإمام (ع) وهكذا كتبوا عنه، وبذلك عرفوا معنى الإسلام وعظمته رغم كل الإساءات والتضليل